عبد الله بن محمد المالكي

433

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

الثالثة ، بعد صلاة العشاء الآخرة ، إذا بضارب يضرب باب القصر عليهم ، فتشرفوا « 16 » من أعلى القصر وقالوا : « من أنت ؟ » فقال لهم : « أنا غلام فلان » - فسمى رجلا « 17 » مذكورا بالخير - « أرسلني مولاي بطعام إلى الشيخ واصل ، وقال لي : إن أنت وصلت « 18 » إليه في هذه الليلة بهذا الطعام وأكل منه فأنت حر لوجه اللّه عزّ وجلّ » . ففتحوا باب الحصن في ذلك الوقت ، خلاف عادتهم « 19 » ، رغبة منهم في عتق الغلام ، فإذا مع الغلام حمل بغل موقر ، عليه من أصناف الأطعمة والحلوى [ شيء كثير ] « 20 » . فأتوا بذلك إلى واصل ، فمد يده إلى شيء منه فأكل ، وقال للمرابطين : « افترقوا « 21 » جميعه فيما بينكم » ولم يدخر منه شيئا . فقال بعضهم [ لبعض ] « 22 » : « أبيتم أن تطعموه خبز الشعير وبقل البرية ، وهو أطعمكم هذا الطعام الطيب الذي لا تعرفونه ولا نقدر على مثله « 23 » » . فمن تلك الليلة عرف القوم فضل واصل وموضعه من العبادة ، ثم بانت بعد ذلك كراماته وإجابة دعوته . قال أبو الحسن بن الخلاف المتعبد - وكان يحب أخبار واصل ويثني عليه - قال : « أخبرني أبو ميسرة « 24 » عن سعيد بن الحداد أن « 25 » واصلا أقام أربعين سنة لم يدخر شيئا من الدنيا ، وإنه ليقيم الأيام لا يطعم شيئا ، فإذا جهد خرج إلى الحمى فيجمع شيئا من بقول الأرض يقتات « 26 » به ثم يعود إلى مصلاه » .

--> ( 16 ) كذا في الأصل : وأصلحها ناشر الطبعة السابقة : أشرفوا . وفي القاموس ( شرف ) : تشرف عليه : اطّلع من فوق . ( 17 ) في الأصل : رجل . ( 18 ) في المدارك : إن أوصلته . ( 19 ) عبارة المدارك : وكانت الحصون لا تفتح بالليل . ( 20 ) زيادة يقتضيها السياق . وعبارة المدارك أكثر تفصيلا في هذا الموضع ونصّها : « فإذا ببغل عليه حمل فيه دجاج ، وفراخ ، وسنبوسج ، وعجج ، وحلوى ، وجرادق » . ( 21 ) كذا في الأصل . وفي المعجم الوسيط ( فرق ) فرق الشيء وفرقه : قسمه . ورواية المدارك : أقسموا . ( 22 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 23 ) وردت مثل الحكاية في ترجمة أبي الفضل الغدامسي من الرياض الثاني ( ترجمة رقم 264 ) . ( 24 ) أبو ميسرة أحمد بن نزار الفقيه من اعلام الرياض الثاني [ وفيات 337 ] . ( 25 ) الخبر في المدارك 4 : 199 . ( 26 ) في الأصل : ما يقتات . والأولى حذف الحرف « ما » .